منذ أن أطلق جان جاك روسو صيحته « اعرفوا الطّفولة»، والعالم ما ينفكّ يطوّر نظرته للطفل، مجدّدا في الان ذاته، علاقاته وأساليب تعامله معه ناهيك عن مناهجه التّربويّة ومحامله الثقافيّة وصولا إلى استراتيجياته في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسّياسيّ.
فلا سبيل اليوم، لدراسة تطوّر مجتمع ما دون النّظر إلى مكانة الطّفولة فيه. بل إنّ أحد المعايير المعتمدة في تقييم الاقتصاديات المعرفيّة لدى منظّمة اليونسكو هو معيار وضع الطّفولة من حيث حقوقها ونمائها ورعايتها، وهو المعيار الذي تنضوي تحته إشكالية ثقافة الطّفل.
تغيّر نظرة العالم للطفل، صاحبه تغيّر في أنماط الثقافة المقدّمة له. فانتبه المختصّون إلى أنّ الاطفال لا يمثّلون وحدة متجانسة أو متماثلة، بل إنّهم يختلفون في أمورٍ عديدة (مراحل الطّفولة، الانتماء الاجتماعي، الاطار الاقتصادي العائلي والوطنيّ، نوعيّة التمدرس، المدارك الميتاعرفانية، إلخ). فنحن، تبعا لذلك إزاء جمهور ذي نسيج متباين الالوان ومختلف الخصائص. لذا تجدر معاملته على هذا الاساس، فلا نعامله ذات المعاملة ولا نقدّم له ذات المنتوج.
من هنا كان لزاما، على المشتغلين بعالم الطفولة (لا يمكن أن نستثني هنا أيّا كان)، زعزعة قناعاتهم واستبدال مفاهيمهم بأخرى تتناسب وتطوّر العلوم وتدخّلها في ثقافة الطّفل من جهة وتتلاءم ومقتضيات التّربيّة الحديثة التي تتبرّأ بشكل قاطع من الاهداف الاجرائيّة أو الكفايات الموجّهة من جهة ثانية.
إنّ مراجعة بعض الاحصائيات يدفعنا اليوم إلى إعادة التّفكير في ثقافة الطفل واستشراف مستقبل أكثر تناغما وخصوصياته وعصره. ومنها أنّ أطفالنا يقضون أكثر من 2000 ساعة في السنة أمام شاشة التلفاز وأنّ ما يشاهدونه هو منتوج موجّه للكهول بنسبة تفوق 75% وهو ما يؤثّر في شخصيتهم ويرفع مقدار تشاؤمهم ونزعة العنف لديهم ويصيبهم بالقلق من المستقبل لتصوّرهم أنهم سيواجهون المشاكل والازمات ذاتها التي شاهدوها في برامج الكبار وأفلامهم. ومن هذه الاحصائيات أيضا ضحالة عدد الكتب التي يطالعها أطفالنا بالمقارنة مع نظرائهم في الدّول المتقدّمة. إضافة إلى مزالق التّوجيه العمودي السائد داخل أسرنا ومؤسّساتنا التربويّة.
في الوقت الذي يتّجه فيه العالم إلى العلوم وسبل استغلالها لفائدة ثقافة الطفل ومن نتائج ذلك هذه الثورة في مجال ثقافة الخيال العلميّ (في المكتوب والمصوّر والمسرحي والسينمائي والالعاب التفاعلية وغيرها ما تزال الثقافة التي نقدّمها لاطفالنا مستمدّة من الاساطير والخرافات أو مستهدفة الوعظ والارشاد وتثبيت قيم متوارثة لم ينظر بعد في فاعليتها الحقيقيّة وفي جاهزيّة أبنائنا لتقبّلها وتمثّلها.
كيف نقيّم ثقافة طفولتنا وكيف ننهض بها وكيف نستغلّ المنجز العلمي في ذلك دون المساس بأسس الهويّة والاصالة والانتماء؟
أسئلة تتطلّب أكثر من وقفة وأكثر من ندوة وأكثر من مختصّ لمحاولة الاجابة عنها.